بينَ نقشةِ الكعكِ ورائحةِ اليانسونِ والسِمسم, ورغمَ الحزنِ وآلامِ النزوحِ ضحكاتٌ تتعَالى وأيادٍ تعمَلُ بحماس، هكذا تبدأ حكايةُ العيدِ في مخيماتِ الشهباء ، حيثُ الحياةُ تُعانق طقوسَها الأصيلة وسطَ الظروفِ الصعبة، تجتمِعُ النُّسوةُ في مشهدٍ يبعَثُ على السرور، أشبه بحلقة الدبكة ، ولكن بدلاً من الخطواتِ والهُتاف، هناكَ عَجين وقوالبُ كعك. تُرَصُّ الطاولاتُ وتُبسَطُ الأيادي لصُنعِ كليجةِ العيد المعروفةِ شعبياً. تصاحِبُ إيقاعَ العجنِ قِصصٌ وحكاياتُ تتناقَلُها الألسُن، وأغانٍ تارةً تتراقَصُ على نَغماتِها القلوب، وتارةً تُحاكي نِضالَ الأرواح ، فبين كلِّ قبضةِ دقيقٍ وضحكةٍ منتشرةٍ وقالبٍ مُعد، تُنسَجُ في مُخيماتِ النزوحِ البائسةِ طقوسُ العيدِ بروحٍ من الفُكاهةِ والأمل.
رغمَ قسوةِ النزوحِ والعيشِ في مخيماتِ الشهباء، تحدَّت فريدة عمر المهجرةُ من مقاطعةِ عفرين المحتلة إلى مخيمِ برخدان الواقعَ المرير، متمسكةً بتقاليدِ وعاداتِ أعيادها. لتقاوِمَ مرارةَ النزوحِ بصُنعِ كعكِ العيد، أو ما يُعرَفُ مَحلياً بـ”الكليجة”، مُتحديةً الحصارَ الشديدَ الذي تفرُضُه الأجهزةُ الأمنيةُ التابعةُ لحكومةِ دمشقَ على مخيماتِ الشهباء.
بمثابرِتها وعزيمتِها تعكُسُ فريدة، الروحَ الإنسانيةَ النبيلةَ التي لا تعترِفُ بالحدود ، ولا ترزَحُ تَحتَ وطأةِ الظروفِ القاهرة, وهي تؤكِّدُ أنه ما دامَ هناكَ نفَسٌ بداخلِها، ستَستمِرُّ في دعمِ كلِّ من حولِها، لا تفرِّقُ بين غنيٍّ أو فقير, بحنكَتِها في عملِ الكليجة، وتقدِّمُ لمساتٍ من الأُنس والعون، ناشرةً الدفءَ في قلوبِ الجميع، وتمدُّ يد العون حتى آخرِ رمقٍ في جسدها، محولةً المخيمَ إلى فُسحةِ أملٍ تُضيء ظلامَ النزوح.
إصرارُ فريدة كغيرِها من النسوةِ العفرينياتِ على البذلِ والتضحيةِ من أجلِ غيرِها يُضفي على رحابِ المخيم رونقاً من الوفاء ، ودرساً في الصموِد تتوارثُه الأجيال, وفي كلِّ قطعةٍ كعكٍ تصنعُها، تزرعُ بذوراً لغدٍ يتجلَّى فيه تَعاضُدُ وتماسُكُ الإنسانية في أقسى الأوقات.
